القائمة الرئيسية

الصفحات

                           

   

 


 

   في بداية صيف السنة التاسعة في الالفية الثانية، كنت على موعد مع معانقة شهادة الباكالوريا. كانت الفرحة كبيرة، خصوصا وان نسبة الناجحين في تخصص الاداب والعلوم الإنسانية في ثانويتي آنذاك لم يتجاوز ثلاثين بالمائة. وهذا سبب جعلني انظر الى المرحلة الجامعية بنظرة التفاؤل. لم يمر الصيف إلا وقد احتفل اغلب الأصدقاء بنيل تلك الشهادة فاقاموا الولائم والحفلات. ولم يكن اغلبنا يعلم اننا مقبلون على مرحلة. هي الفيصل بين الحلم والواقع. وبين الاستحقاق والصدفة. وبين ذلال الاب والام. وقسوة الظروف الجامعية. هي مرحلة اما ان تخرج منها مثقلا بزاد العلم والمعرفة. او تخرج منها مثقلا بهموم لم تكن تعلمها قبلا. هي ثلاث سنوات تكون خلاصة لحياتك الدراسية. فان احسنت الاختيار في التخصص والرفقاء ...، كنت من المتفوقين. وان اخطات في اي اختيار كان مصيرك. ان تخبط خبط عشواء. فيجانبك الصواب. ويكون الخطأ مرتعا لاختياراتك.

 لاشك أن أول بوادر النجاح والصواب،  اختيار التخصص الملائم. يعني حسن التوجيه. وهذا ما افتقذته وسقطت في عشوائيته. فكنت كمن خرج من عالم يعييه ويعلم لغته. الى عالم يجهله تمام الجهل. وانا من كنت أظن الارتباط بيني وبينه وثيقا.

 انتهى الصيف وبدأ خريف حياتي الجامعية. وقد توقعت ان تكون البداية ربيعا مزهرا مثمرا. خضرا حلوا. لكن الرياح لن تترك السفينة لحالها ان اشتدت العواصف. ففي اوائل شتنبر من سنة 2009 كان علي الالتحاق بأكادير من أجل التسجيل وقص شريط الحياة الجامعية. وتلك البداية أخذت الكثير من الوقت.  وستسيل الكثير من المداد الملون بعبق الذكريات...

    لاشك ان ذكر كل التفاصيل أمر صعب للغاية. فذاكرتي الصغيرة جافتني في تذكر الكثير من اللحظات، لذا ساحاول جمع شتات ماتبقى من تلك اللحظات، لاخرجها في قالب قصة تحكي عن تلك المرحلة من حياتي.

    بعد انصرام شهور الراحة والاستجمام. كان الموعد في شهر شتنبر مع التسجيل في سجلات جامعة ابن زهر، انطلقت من تارودانت رفقة اخ لي - هو انذاك طالب في السنة الثالثة.  تخصص القانون الخاص-وطول المسافة الممتدة بين أكادير وتارودانت عبر امسكروض. وانا اقلب التخصصات في قرارة نفسي. أحيانا ارى نفسي منجذبا الى لغة الضاد. وأحيانا أرى أن علي معرفة مامر من أحداث عبر تعاقب الاجيال والازمان. وأحيانا أجدني مائلا نحو معرفة الدول والحدود والطبقات الأرضية ....، استقر رأيي على السير قدما واقتفاء أثر أخي. فاخترت في قرارة نفسي تخصص القانون الخاص. -على فكرة فكلمة القانون بالفرنسية.  تثير كبريائي الجامعي.-  فلو سألني أحدهم عن تخصصي أجيبه "privé droit ", هذا الجواب له قدر هام من المسئولية في اختياري. وهذا موقف يجعلني أجس نبض العشوائية في قراري انذاك.

  ماهي الاساعة أو أقل من ساعة حتى حططت رحالي باكادير. وهو عبارة عن مجموعة من الصور طبق الاصل للبكالوريا بالاضافة الى الشهادة الاصلية، وبعض الصور الفوتوغرافية. وغيرها من الوثائق اللازمة للتسجيل.

  اول مالمست اقدامي حافة الطريق. سالني أخي : ما التخصص الذي استقر عليه رأيك’؟. أجبته نفس تخصصك. فأومأ الي بالمسير في اتجاه كلية القانون. وهي على أكمة يلزم السائر اليها قطع مسافة لابأس بها، وذلك بعد أن ينزل من الطاكسي او الأطوبيس. أمام كلية الآداب او كلية العلوم.

 سرنا. وأخي يسدي الي بعض النصح في قالب التحذير من تخصص القانون، لأنه يحتاج الى تركيز وحفظ متين. لم ألق لكلامه بالا. وماهي إلا لحظات حتى خطوت أول خطواتي داخل الحرم الجامعي. وأول ما أثار فضولي كغيري من الطلبة. تلك التجمعات الطلابية. ماذا تعني؟ وماشأنها؟... الكثير من الأسئلة تراقصت في مخيلتي. باردت اخي بالسؤال. فأجابني بان هؤلاء فصائل كل منهم يدعوا الى فكره..... اكتفيت بتحريك رأسي لاوهمه باني ادركت مرامي كلامه. والحقيقة أن الامر ازداد غموضا. توغلنا في الجامعة.  قاصدين الشباك الخاص بالتسجيل.  وجدنا الجميع ينتظر. سالنا عن السبب. اخبرونا ان هناك مقاطعة للتسجيل بدعوى عدم وجود شبابيك متعددة تسهل الامر على الطلبة. مما يعني أن الامر لن يتحقق الا في الغد.

  التفت إلي أخي وأخبرني أن القانون لن يلائم توجهي. فاقتنعت بسرعة البرق. وعدنا ادراجنا في اتجاه كلية الاداب....

 

        بعد ان كان ماكان من أمر التسجيل في كلية القانون. اقتنعت بان التخصص لايناسب ميولاتي. كما اني في اتم الجهل بتلك الميولات ، عدنا ادراجنا والمقصد كلية الاداب. فكان علي الاختيار بين التخصصات الادبية باستثناء اللغات الاجنبية. فلست من هواة لغة الكفار، مع اني اجيد الاستماع اليها دون فهمها.

   مع اقترابنا من الكلية لم ارى في الساحة أمام الباب الرئيسي. إلا بعض الأفراد ممن اتموا التسجيل. وفي أول خطواتي داخل الحرم الجامعي. جذب انظاري مجموعة من اللوحات بعضها تحمل صورا وملصقات لشخصيات لم اسمع بها من قبل. وبعضها تحمل بعض العبارات. وكذا أحاديث نبوية. مررت مرور المتعجل المستمهل. وكنت ارمي بصري لعلي ارمق صديقا او شخصا اعرفه.

  اخترت في قرارة نفسي تخصص اللغة العربية.  وكان المدرج الاول هو المسرح الخاص لاستقبال عشاق لغة الضاد. أرسلت نظري من كوة بالباب فوجدت المدرج مكتضا. وهذا سبب جعلني اتحول نحو المدرج الثاني. على عتبة بابه وجدت شيخا جليلا في عقده الرابع. ولحيته الطويلة مع رائحة المسك المنبعثة من لباسه التقليدي . دليل على أن الماثل امامي فقيه وامام مسجد. وهذا يعني ان التسجيل في المدرج يخص طلبة الدراسات الإسلامية. وبعد تعارف بسيط استأذنته وولجت المدرج ولم يستغرق التسجيل سوى بضع دقائق. بعدها انسحبت وأخذت جولة بسيطة  في أنحاء الكلية. فلم أجد ماوجدت في كلية القانون من حلقيات واضرابات. خرجت من الكلية وقد أنهيت اصغر وايسر المهمات. وأمامي اصعبها وأعسرها ألا وهي ايجاد بيت للكراء. ورفقة لمواصلة الدراسة بنكهة الحياة الجامعية.

......بعد اتمام عملية التسجيل بنجاح جاء الدور على أصعب مرحلة في الحياة الجامعية، وهي مرحلة العثور على مأوى يصبر على تعب الجيوب وقلة السيولة المالية.

   قبل ذلك كان علي البحث عن رفقاء يسيرون في نفس الدرب. وكان ايجادهم أصعب مماسبق. وقد جمعني القدر ببعض الأصدقاء ممن جاورتهم بالمرحلة الثانوية. وكان أول يوم في عملية البحث عن الكراء أشبه بالبحث عن ابرة في كومة قش. كان الترقب يتلبس انتظاراتنا. فكنا نطوف بين الدروب والازقة ومثلنا كثيرون. وحاجتنا كان لابد أن يستغلها أحدهم . وقد فعل ذلك أشخاص يعرفهم القاصي والداني ب"السماسرة" . اغلبهم يظهر في زي الناسك العابد. وقد رأينا منهم خبثا لا أظن الكلمة تصح إلا فيهم. ومكرا لا أظن الثعلب الا من تلاميذتهم النجباء. فقد كان الواحد منهم يصف لنا غرفة. حتى يخيل الي انها جناح في قصر فارسي او عباسي. يحسنون الوصف وانتقاء الكلمات. في لحظة تحسب الواحد منهم أخا يريد مصلحتك. وبعد أن نرى موصوفه تسقط تلك الصفات كأنه كان يصف غير ماأرانا اياه. وبعضهم يطلب علاوة تتجاوز أجرة الكراء لشهر كامل. ناهيك عن الكثير من الحيل. تجعل الطالب يزهد في الدراسة الجامعية.  وهذا ما وقع لاحد الأصدقاء. فقد انسحب واختار طريقا ومسلكا آخر بعيدا عن الجامعة.

  دام البحث لأكثر من ثلاثة ايام. قبل أن يتوسط لي احدهم عند "سمسار". ارشدنا الى غرفة تصلح لأي شيئ إلا للسكن. لكن "للضرورة أحكام" وكان ذلك غيض من فيض. وماينتظرنا كان اعظم.

  نقلنا امتعتنا الى مسكننا الجديد. وهو غرفة بين ثلاث غرف. يتوسطهم حمام مشترك، بجانبه قاعة للأكل "الكوزينة". هاته الاخيرة تناجي الأواني المضطجعة في إحدى زواياها، النجوم في كل ليلة. فلاسقف يعطيها صفتها ولاجدار.  وكل ذلك في سطح منزل مكون من ثلاثة طوابق. الطابق الثاني تقطنه صاحبة المنزل. وهي امراة في عقدها الخامس وان شئت قلت السادس.  حادة الطباع. شريرة في تصرفاتها. تعاتب بلا سبب. وتقرأ رسالة الخصام. بدون بسملة ولاسلام. وكان لها ابن في الثلاثنيات. قليل الكلام. واذا تكلم ألقى السلام.

كانت أول ليلة ثقيلة على النفس وكذا البدن. شجون البعد عن الأم وقسوة اللحظة، جعلاني ادخل في دوامة خشيت فيها على نفسي من ان اوصف ب "ولد مو". لذا تماسكت وأظهرت عكس ما أخفي وكانت أول عقبة أمام هذا العبد الضعيف، بعد ليلة طغت عليها كوابيس الوحدة والبعد. هي "كيف اطهو شيئا يصلح للاكل". فكنت امام اول امتحان بدون استاذ.....

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. Sports Betting - Mapyro
    Bet 메이피로출장마사지 the moneyline kadangpintar from 1:25 PM to 11:00 PM. See more. MapYO Sportsbook mens titanium wedding bands features live odds, live streaming, 출장안마 and detailed information.

    ردحذف

إرسال تعليق